الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

ملاحظات على هامش الماركسية الأيديولوجيّة

قراءة في كتابي عبد الله العروي:
 العرب والفكر التاريخي
الأيديولوجيا العربية المعاصرة 

                                                            

يعالج عبد الله العروي في كتابيه الهامين:العرب والفكر التاريخي ,  و الايديولوجيه العربية المعاصرة هذا السؤال: من يقوم بمهمّة عقلنة المجتمع العربي ؟
يحدد العروي خمس فئات-  يشير ضمنا بإغفاله غيرها  إلى حصر الممكنات  في نطاقها-   وهذه الفئات هي على التوالي:الجيش والحزب السياسي والبيروقراطية والعمال  والنخبة المثقفة...وبهامش من الخطأ ضئيل ,وفيما عدا العمال فان الفئات الأربعة المتبقية - في ظل الوضع الراهن للبنية السسيولوجية العربية - تتشاطر الانتماء إلى الطبقة الوسطى  بشقيها:الريفي /المديني ..في تقليبه للممكنات التي تشير إليها الفئات الخمسة تفلت من العروي فرصة التقليب   فيما تبقى من البنية الإجتماعية ,  تحت ضغط ماركسية أيديولوجية ينصح بتبنيها  في نهاية مشروعه للبحث عن أي ماركسية تناسب الوضع العربي ..
يخلص العروي إلى إن الجناح الثوري من الفئة المثقفة هو من سيقوم بمهمة عقلنة المجتمع العربي..ممهداً لأطروحته هذه بإجراء نقد مبكر لظاهرة الدولة القومية التي شرعت في بنائها البرجوازية الصغيرة العربية تحت غطاء كثيف من الدعاية الإيديولوجية أمنها لها داعية التقنية..وهو الثالث في ترتيب سبقه فيه كل من الشيخ والسياسي الليبرالي على التوالي. يطل  العروي من زاوية المؤرخ -الفيلسوف على هؤلاء الثلاثة كممثلين لثلاثة اجيال من المثقفين شكلت ثلاث لحظات مر بها الوعي العربي منذ بدء النهضة..
وإذ يحدد الثلاثة:ثلاث كيفيات للقضية الأساسية للمجتمع العربي هي على التوالي : في الإيمان الديني , في التنظيم السياسي ,في النشاط العلمي والتقني (1) ,فإن الثلاثة يتمفصلون بخطابهم الثقافي مع ثلاثة  أطوار  مرت بها  الدولة :المستعمَرة,فالمستقلة ,فالقومية(2)...


محمد عبده , و لطفي السيد, و سلامة موسى , ثلاثة رموز ثقافية  لثلاث لحظات مر بها الوعي العربي أٌمنت غطاءًً أيديولوجيا ً سيطر على ثلاث حقب مرت بها الدولة : المستعمرَة , فالمستقلّة , فالقومية ,كانت على التوالي:

الإيديولوجية الدينية. و الإيديولوجية الليبرالية , و الإيديولوجية القومية- الاشتراكية . و الملفت للنظر أن التناوب على احتلال مركز الهيمنة من قبل الأيديولوجيات الثلاثة قد ضبط خطواته بشكلٍ عام على إيقاع المراحل التي مرت بها الدولة ( المستعمرة , فالمستقلة , فالقومية ) وصولاً إلى مطلع السبعينات من القرن العشرين , حيث بدأ يلوح في الأفق بوادر ترتيب جديد , لكأن التاريخ يتمهل مفسحاً المجال لإعادة النظر في من يحتل موقع القيادة الذي تتنافس عليه خيول السباق الثلاثة : الشيخ , و السياسي الليبرالي , و داعية التقنية .
و لعل ما يقتضي التنويه إليه أن عبد الله العروي لم يتعامى عن استمرارية الوعي الديني بين أحشاء الوعيين الليبرالي و القومي . إذ أن أياً من الأخيرين لم يصفِ حسابه نهائياً مع خصمه الأيديولوجي , بل كل ما فعله أنه حوّل هذا الأخير ( الوعي الديني ) إلى قوة احتياطية يتّكئ عليها في الأزمات التي تعترض سيرورة سجاله مع الغرب .  ولعل النزعة الانتقائية المهيمنة على عملية المثاقفة مع الغرب عند كلٍّ من الليبرالي و داعية التقنية القومي تجد تفسيرها في تداخل الظلال بين لحظات الوعي الثلاثة . و قد يكون تزيداً في الكلام الإشارة إلى أن تداخل الظلال هذا يعكس رمادية الحدود بين الفئات الإجتماعية المتراتبة في إطار بنية اجتماعية- اقتصادية تتمايز تحت تأثير ثقل التأخر التاريخي . إنه نوعٌ من وعكة صحية ألمانية تمر بها البنية العربية لكنها تمطت كثيراً لاتساع فجوة التأخر.


و قد يكون في اتهام العروي بالنزعة الثقافية إجحافاً بالهوية الماركسية المعلنة من قبل الرجل.  إلا أن إغماضه العين عن الممكنات التي تفتقت عن  تعّمق عملية التحول  الرأسمالي – وقد أنجزت شطرها الأكبر الدولة القومية - قد يجد تفسيره في نطاق الغواية التي مارسها الحقل الثقافي على العروي و أدواته المعرفية .
إن البقاء أكثر مما ينبغي عند المستوى الثقافي للظاهرة يضيق مساحة النظر . سيما وأن مايجري في البنية الإقتصادية يتأخر التقاط صداه في  البنية الثقافية . ولا ينقذ عالم الإجتماع من خطر الإنزلاق إلى أحكام و تقييمات مضللة إلا الهبوط مع عدته النظرية إلى البنية الاقتصادية – الإجتماعية , لكشف مركّب الجدل فيها والممكنات التي تنتظرها على المفارق  .


بين ألمانيا و العالم الثالث قاسم مشترك هو التاريخ المعاق . من هذا القاسم المشترك ينطلق عبد الله العروي في دعوته مثقف العالم الثالث لإعادة اكتشاف ماركس بواسطة و في إطار التاريخانية (3) .
إن ألمانيا التي سلكت طريق التحول الرأسمالي  بقيادة الفلاسفة (الواعية )- لا كفرنسا وإنكلترا اللتين مشتا وراء  القيادة ( العمياء ) لرجال الأعمال و المحامين (4) مدعوّةً"أي ألمانيا " لأن تكون المثال المحتذى لمجتمعات العالم الثالث .
 على خلفية هذا التشخيص " التحول  تحت الإحساس بالتأخر"  يضََيق عبد الله العروي فسحة الخيارات  , ليحصرها في ممكن وحيد ينهض به المثقف الثوري . إلا أن سؤالا سيطرح نفسه عند هذه النقطة:
هل المثقف أكان ثورياً أم إصلاحياً أم رجعياً  منبت الجذر- لجهة انحيازه الأيديولوجي - عن المركّب الطبقي للبنية الاجتماعية - الاقتصادية ؟
ليس المثقف الأيديولوجي في رأيي سوى الطبقة و قد تفاصحت . و لا يعمينا عن رؤية ذلك تداخل الظلال في الخطاب الأيديولوجي للمثقف . فليست هذه الظلال إلا انعكاساً للتداخل الذي تعيشه بنية اجتماعية - اقتصادية قبل نقطة متقدمة من تمايزها .ليست  استقلالية المثقف الأيديولوجي  سوى هامش متروك على الحواف الخارجية للطبقة , يناور فيه المثقف بحثاً عما يسميه بالحقائق المجردة .
عندما يدعو العروي إلى إعادة اكتشاف ماركس بواسطة و في نطاق التاريخانية فإنه يدعو إلى إضاءة ذاك التشابه في الشروط التي أنتجت وعياً ماركسياً لها ...فماركس الخارج من معطف الأيديولوجيا الألمانية هو ما نحتاجه في هذا الجزء المتأخر من العالم. و ليس ماركس المعاد  قراءته ليبرالياً أو منهجيا ,أو أنسياً ..إلخ  .
هذا ما ينصح به العروي ..
هل هذا ما نحتاجه فعلاً ؟ ... أسمح لنفسي بإثارة بعض الأسئلة:
1 - أليست هذه القراءة  لماركس هي نفسها : القراءة  اللينينية , و الماوية ... الخ . و بالتالي ألا يطلق انهيار تجارب الانتقال إلى الإشتراكية المتكئة على هذه القراءة  نقاشا ً حول صوابية ما ينصح به العروي لجهة التخوم التي ستفضي إليها عملية عقلنة المجتمع العربي بواسطة هذا النوع من الوعي الماركسي ؟

 2- هل يمكن للوعي بالتأخر أن يفلت تماماً  من إكراهات التأخر :الفكرية والنفسية ؟
3-  أليس التأخر شرط يشرط طابقي البنية ؟وإذا كان الجواب  بنعم للأول ولا للثاني: فما معنى هذه  الكاركاتيرات من الوعي الماركسي التي تمخض عنها  الرفاق :  كيم إيل سونغ  , وبول بوت , و الراحل بعد لأي خالد بكداش ؟
4 - هل نحن بحاجة إلى الحزب العقائدي ( بغض النظر عن محتوى العقيدة ) ؟
لقد وفرت العقائدية للأحزاب الشيوعية العربية : الشروط النظامية للتحجر العقلي, بتعاملها مع  النصوص الماركسية كما يتعامل المتدينون مع نصوصهم المقدسة : اجترارها بخشوع   .
تتوخى  هذه الأسئلة الدخول في حوار حول أية عقلنة سيتمخض عنها المثقف الثوري المزود بماركسية  أيديولوجية كما يقترح العروي .
ألا تستبطن هذه النصيحة مبالغةً في تعظيم دور الإرادة ( المتكئة على الوعي بالتأخر التاريخي ) في صنع سيرورة الخروج من التخلف ؟
و بالعودة إلى المثال الألماني :
 هل كان  المشهد نهضة يقودها المثقفون ؟ ... أم طبقة زادها الوعي بالتأخر حماساً للخروج منه . مع ما رافق هذا الحماس من تشوش و اضطرابات ذهنية على خلفية ارتفاع عتبة الإحساس بالتأخر  ؟
إنها الأيديولوجيا الألمانية بديلاً لليبرالية مشتقة من فلسفة عصر الأنوار . إلا أن الأمور إذا أخذت بخواتيمها فإن السؤال الذي سيطرح نفسه : ما الذي تبقى من الأيديولوجيا الألمانية في ألمانيا المعاصرة ؟
 لقد ذابت مع ذوبان الإحساس بالتأخر التاريخي . لكن السؤال الذي يطرح نفسه :هل يرقى انسداد التحول المتأخر إلى الرأسمالية بقيادة البرجوازية إلى مستوى الحتمية ؟

   
***

محاولة العروي  فهم الماركسية في إطار التاريخانية أثمرت نتيجتين, أسمح لنفسي بإطلاق حكم قيمة عليهما
 الأول إيجابي  : لنجاح العروي في رفع  عملية المثاقفة مع الغرب و إنتاجه المعرفي إلى مستوى أعلى  من الإقتباس: أقصد التملك النقدي للثقافة الغربية . إن الإقتباس و خصوصاً في حقل العلوم الإجتماعية  لايمكنه حل  المشاكل النظرية المترتبة عن  اقتطاع هذه  العلوم من سياقها و اقحامها في سياق مختلف..
في رحلتنا لتملك ماركس على سبيل المثال  علينا أن نحصد حقولاً من المعرفة زرعتها أوروبا الناهضة من رقادها قبل ستة قرون   . فكما يقول العروي : علينا عندما نحل المسألة ألا نكتفي بترديد النظرية التي تصلح لحلها .
و للوصول إلى هذا المستوى من القدرة على هضم و تمثل العلوم علينا أن نذاكر ليس النظريات فقط بل و أيضاً السياقات المعرفية التي صدرت عنها هذه النظريات ...
و لعل النتائج المتواضعة التي أفضت إليها عمليات نقل الفلسفات الغربية : الليبرالية , الماركسية , الوجودية ... إلخ ..في إطار صيغة الإقتباس المهيمنة  , هي التي أعطت  الأهمية الخاصة للجهد الذي بذله العروي خارج هذا السياق (سياق الإقتباس ) .  و علينا بالتالي واجب ا لاعتراف للعروي أن مشواره  المعرفي الذي باشره في ستينات القرن الماضي  يشكل نقطة علام تشير إلى نهاية مرحلة و بدء أخرى في عملية  المثاقفة مع الغرب . فالعروي  إذ يشكل طفرة مبكرة  في سيرورة امتلاك الأنتلجنسيا العربية لوعي حديث , يشير بنفس الوقت إلى قرب  وصول الأنتلجنسيا العربية إلى نقطة التوتر الخلاق التي تفصل بين التراكم الكمي و التبدل الكيفي في مجرى امتلاكها لمشروع عقلنة المجتمع العربي .
أما الثاني السلبي: فهو  لتعيينه ماركس الأيديولوجي كزوادة نظرية لمثقف العالم الثالث الثوري . إن تحفظي هذا ليس أكثر من نقطة انطلاق للدخول في حوار نقدي حول اختيار العروي لماركس الأيديولوجي . وما سيتبقى من هذا المقال سأحاول التقليب في هذا الخيار .
يستند العروي في اختياره لماركس الأيديولوجي إلى ظاهرة تقاسم المثقف في ألمانيا و العالم الثالث( الإحساس بالتاريخ المعاق )

فماركس المؤول : ليبرالياً , و أنسياً , ومنهجياً , و عقدياً .. إلخ (5)   هو محاولة لإعادة فهم ماركس تحت  شروط اجتماعية - اقتصادية متباينة . وعلى مثقف العالم الثالث الذي يعيش شرطاً مشابهاً للذي عاشه ماركس الشاب أن يستلهم من النص الماركسي ما يمس الإشكاليه الألمانية المتجددة  على نحو متكرر في العالم الثالث(التحول المتأخر الى الراسماليه ) .
يقول العروي , إن ماركس الذي حافظ على جوهر الإشكاليات التي عالجتها الأيديولوجيا الألمانية, فإنه في نفس الوقت, انتزعها من سياقها المحلي ليعطيها بعداً كونياً يمكن لمثقف العالم الثالث ( 6) أن يلتقطه على نحوٍ أكثر جدارة .
ما هي الإشكالية الألمانية التي أعطاها ماركس هذا البعد الكوني  ؟
إنها إشكالية الانتقال إلى الرأسمالية في ظل الإحساس بالتاريخ المعاق .
من أين يتغذى هذا الإحساس بالتاريخ المعاق ؟ إنه يتغذى من التقاطه سرعات  مختلفة  يسيل بها الزمن في المجتمعات المتفاوتة التطور   . هي وعكة نفسية لم يسلم  منها إلا المثقف الإنكليزي و المثقف الفرنسي و ذلك لفقدانهما الرائز الذي يمكن بواسطته قياس درجة التأخر.
حول معضلة  التأخر الألماني أدارت الأنتلجنسيا الألمانية ورشة عمل  فكرية . و كما يقول العروي فإن الأيديولوجيا (7) الألمانية لم تضع بصراحة الأسئلة المهمة التالية : 1- ما هو المستوى الأعلى الذي يقاس عليه تأخر ألمانية ؟
 2-هل يمكن تدارك التأخر ؟ 3- ما هي واسطة التدارك ؟ لكنها  أجابت عنها كلها ضمنياً ....
 نظرت الأيديولوجيا الألمانية إلى السياسة اليعقوبية كتجسيد لمستوى التطور الأعلى المنشود , و نظرت إلى الوعي بالتأخر كدليل على إمكانية تداركه , ونظرت إلى المثقف كوسيلة لهذا التدارك .
ماذا فعل ماركس بهذه الإشكالية ؟ جعل منها نتيجة و عنوان التأخر . كانت في الواقع وسيلة خلط و تعقيد لا وسيلة توضيح , لأنها كانت هي ذاتها تعبيراً وفياً لتأخر ألمانية .. لذلك كان المثقف يتخيل أنه يتحمل مسؤولية  الإنسانية جمعاء , و أنه يملك مفتاح كل المشكلات, لأنه يظن في قدرته على طرحها و تحليلها ,أنه يتغلب عليها و يحلها في الواقع . و راح ماركس يبحث عن الواقع و راء و تحت تخيلات المثقفين .
 فاكتشف وراء و تحت السياسة اليعقوبية: التشكيلة الاقتصادية _ الاجتماعية . و وراء و تحت التأخر التاريخي تأخر علاقات الإنتاج بالنسبة لقوى الإنتاج .ووراء و تحت النخبة المثقفة الساخطة و البائسة و المنتقدة : الطبقة العاملة العصرية ...
في هذه العودة إلى ظروف إنتاج ماركس لماركسيته يقع اختيار عبد الله العروي للماركسية الأيديولوجية كوصفه عقلية لمثقف العالم الثالث . . هل هي ثقة مفرطة بالوعي  ؟ أم استجابة على نحو حميم لمثقف يصغي جيداً لهسهسة التحولات في البنية الاجتماعية  - الاقتصادية ؟ أم  حسن تصرف من مثقف سيطر على أدواته المعرفية بواسطة التاريخية  ؟ .......
لعل في العروي تتلاقى المعطيات الثلاثة ... و لكن أليس في انتقاء الماركسية الأيديولوجية  مغامرة ينبغي التحوط لها ببقية التأويلات للماركسية التي يجري رميها بدعوى أنها غير لازمة أو أنها لا تناسب شرطنا التاريخي ؟ ...
و حتى لا يكون اعتراضنا نظرياً , فلنجرب الاحتكام إلى حاجاتنا العربية  كما هي ملء السمع و البصر .
1- إ ن الديمقراطية السياسية التي تحولت عمود ا فقريا للهموم العربية الراهنة قد لا تجد ذريعتها الفلسفية في .  _الماركسية الإيديولوجية بل في الماركسية الإنسية ..                                                           
   2- كما أن انكسار الحلم الاشتراكي الذي راود النخب المثقفة الثورية في منتصف القرن  تتحمل الماركسية  الايديولوجيه شطراً من مسؤولية شحن المخيال الاجتماعي  به . و لعل ماركس الأممية الثانية هو الأكثر قدرة على فتح العيادة الفكرية -  النفسية المجهزة بوسائل علاجية مناسبة .
 3-  كذلك فإن النقطة التي و صلت إليها عمليةالرأسمالي  لبنى الإنتاج العربية وما أفضت إليه لجهة بلورة هوية الحامل الاجتماعي لعملية الخروج من التخلف قد تكون الماركسية الأيديولوجية وراء حجبه عن حقل رؤية العروي
 4- في خلفية انتقاء العروي:  المثقف الثوري لمهمة عقلنة المجتمع العربي يكمن الضباب الذي أثاره ماركس الأيديولوجي  . و بعبارة أخرى إن انتقاء العروي لماركس الأيديولوجي كعدة شغل هو الذي حجب عن العروي رؤية التبدل الذي جرى على البنية الاجتماعية - الاقتصادية للمجتمع العربي الذي قطعت رسملة  بنى الإنتاج في بعض أصقاعه"مصر سورية العراق الجزائر ..إلخ  شوطاً يسمح بإعادة تبديل أحصنة العربة .
 5-  و لعل في تحديد العروي للمثقف الثوري كأداة لعقلنة المجتمع العربي فيه شيء من النكوص نحو الأيديولوجيا الألمانية . أظن العروي قد انزلق إليها وهو يعالج صلة الماركسية بالأيديولوجيا الألمانية .
إنها ملاحظات نسوقها على هامش كتابي العروي الهامين : الأيديولوجيا العربية و المعاصرة , و العرب و الفكر التاريخي ...
ملاحظات أرجو أن  تستدرج حواراً هادئاً حولها  لا تراشقاً بالاتهامات ....

سامي العباس

هوامش :
(1)-الايديولوجيه العربيه المعاصرة-ص 45
(2)   =            =           =      -ص6
(3)العرب والفكر التاريخي-فصل:الماركسية ومثقف العالم الثالث
(4)نفس المصدر
(5)=      =
(6) =    = ص193
(7)=   = ص194                       

ملاحظات على هامش الماركسية الأيديولوجيّة

قراءة في كتابي عبد الله العروي:
 العرب والفكر التاريخي
الأيديولوجيا العربية المعاصرة 

                                                            

يعالج عبد الله العروي في كتابيه الهامين:العرب والفكر التاريخي ,  و الايديولوجيه العربية المعاصرة هذا السؤال: من يقوم بمهمّة عقلنة المجتمع العربي ؟
يحدد العروي خمس فئات-  يشير ضمنا بإغفاله غيرها  إلى حصر الممكنات  في نطاقها-   وهذه الفئات هي على التوالي:الجيش والحزب السياسي والبيروقراطية والعمال  والنخبة المثقفة...وبهامش من الخطأ ضئيل ,وفيما عدا العمال فان الفئات الأربعة المتبقية - في ظل الوضع الراهن للبنية السسيولوجية العربية - تتشاطر الانتماء إلى الطبقة الوسطى  بشقيها:الريفي /المديني ..في تقليبه للممكنات التي تشير إليها الفئات الخمسة تفلت من العروي فرصة التقليب   فيما تبقى من البنية الإجتماعية ,  تحت ضغط ماركسية أيديولوجية ينصح بتبنيها  في نهاية مشروعه للبحث عن أي ماركسية تناسب الوضع العربي ..
يخلص العروي إلى إن الجناح الثوري من الفئة المثقفة هو من سيقوم بمهمة عقلنة المجتمع العربي..ممهداً لأطروحته هذه بإجراء نقد مبكر لظاهرة الدولة القومية التي شرعت في بنائها البرجوازية الصغيرة العربية تحت غطاء كثيف من الدعاية الإيديولوجية أمنها لها داعية التقنية..وهو الثالث في ترتيب سبقه فيه كل من الشيخ والسياسي الليبرالي على التوالي. يطل  العروي من زاوية المؤرخ -الفيلسوف على هؤلاء الثلاثة كممثلين لثلاثة اجيال من المثقفين شكلت ثلاث لحظات مر بها الوعي العربي منذ بدء النهضة..
وإذ يحدد الثلاثة:ثلاث كيفيات للقضية الأساسية للمجتمع العربي هي على التوالي : في الإيمان الديني , في التنظيم السياسي ,في النشاط العلمي والتقني (1) ,فإن الثلاثة يتمفصلون بخطابهم الثقافي مع ثلاثة  أطوار  مرت بها  الدولة :المستعمَرة,فالمستقلة ,فالقومية(2)...


محمد عبده , و لطفي السيد, و سلامة موسى , ثلاثة رموز ثقافية  لثلاث لحظات مر بها الوعي العربي أٌمنت غطاءًً أيديولوجيا ً سيطر على ثلاث حقب مرت بها الدولة : المستعمرَة , فالمستقلّة , فالقومية ,كانت على التوالي:

الإيديولوجية الدينية. و الإيديولوجية الليبرالية , و الإيديولوجية القومية- الاشتراكية . و الملفت للنظر أن التناوب على احتلال مركز الهيمنة من قبل الأيديولوجيات الثلاثة قد ضبط خطواته بشكلٍ عام على إيقاع المراحل التي مرت بها الدولة ( المستعمرة , فالمستقلة , فالقومية ) وصولاً إلى مطلع السبعينات من القرن العشرين , حيث بدأ يلوح في الأفق بوادر ترتيب جديد , لكأن التاريخ يتمهل مفسحاً المجال لإعادة النظر في من يحتل موقع القيادة الذي تتنافس عليه خيول السباق الثلاثة : الشيخ , و السياسي الليبرالي , و داعية التقنية .
و لعل ما يقتضي التنويه إليه أن عبد الله العروي لم يتعامى عن استمرارية الوعي الديني بين أحشاء الوعيين الليبرالي و القومي . إذ أن أياً من الأخيرين لم يصفِ حسابه نهائياً مع خصمه الأيديولوجي , بل كل ما فعله أنه حوّل هذا الأخير ( الوعي الديني ) إلى قوة احتياطية يتّكئ عليها في الأزمات التي تعترض سيرورة سجاله مع الغرب .  ولعل النزعة الانتقائية المهيمنة على عملية المثاقفة مع الغرب عند كلٍّ من الليبرالي و داعية التقنية القومي تجد تفسيرها في تداخل الظلال بين لحظات الوعي الثلاثة . و قد يكون تزيداً في الكلام الإشارة إلى أن تداخل الظلال هذا يعكس رمادية الحدود بين الفئات الإجتماعية المتراتبة في إطار بنية اجتماعية- اقتصادية تتمايز تحت تأثير ثقل التأخر التاريخي . إنه نوعٌ من وعكة صحية ألمانية تمر بها البنية العربية لكنها تمطت كثيراً لاتساع فجوة التأخر.


و قد يكون في اتهام العروي بالنزعة الثقافية إجحافاً بالهوية الماركسية المعلنة من قبل الرجل.  إلا أن إغماضه العين عن الممكنات التي تفتقت عن  تعّمق عملية التحول  الرأسمالي – وقد أنجزت شطرها الأكبر الدولة القومية - قد يجد تفسيره في نطاق الغواية التي مارسها الحقل الثقافي على العروي و أدواته المعرفية .
إن البقاء أكثر مما ينبغي عند المستوى الثقافي للظاهرة يضيق مساحة النظر . سيما وأن مايجري في البنية الإقتصادية يتأخر التقاط صداه في  البنية الثقافية . ولا ينقذ عالم الإجتماع من خطر الإنزلاق إلى أحكام و تقييمات مضللة إلا الهبوط مع عدته النظرية إلى البنية الاقتصادية – الإجتماعية , لكشف مركّب الجدل فيها والممكنات التي تنتظرها على المفارق  .


بين ألمانيا و العالم الثالث قاسم مشترك هو التاريخ المعاق . من هذا القاسم المشترك ينطلق عبد الله العروي في دعوته مثقف العالم الثالث لإعادة اكتشاف ماركس بواسطة و في إطار التاريخانية (3) .
إن ألمانيا التي سلكت طريق التحول الرأسمالي  بقيادة الفلاسفة (الواعية )- لا كفرنسا وإنكلترا اللتين مشتا وراء  القيادة ( العمياء ) لرجال الأعمال و المحامين (4) مدعوّةً"أي ألمانيا " لأن تكون المثال المحتذى لمجتمعات العالم الثالث .
 على خلفية هذا التشخيص " التحول  تحت الإحساس بالتأخر"  يضََيق عبد الله العروي فسحة الخيارات  , ليحصرها في ممكن وحيد ينهض به المثقف الثوري . إلا أن سؤالا سيطرح نفسه عند هذه النقطة:
هل المثقف أكان ثورياً أم إصلاحياً أم رجعياً  منبت الجذر- لجهة انحيازه الأيديولوجي - عن المركّب الطبقي للبنية الاجتماعية - الاقتصادية ؟
ليس المثقف الأيديولوجي في رأيي سوى الطبقة و قد تفاصحت . و لا يعمينا عن رؤية ذلك تداخل الظلال في الخطاب الأيديولوجي للمثقف . فليست هذه الظلال إلا انعكاساً للتداخل الذي تعيشه بنية اجتماعية - اقتصادية قبل نقطة متقدمة من تمايزها .ليست  استقلالية المثقف الأيديولوجي  سوى هامش متروك على الحواف الخارجية للطبقة , يناور فيه المثقف بحثاً عما يسميه بالحقائق المجردة .
عندما يدعو العروي إلى إعادة اكتشاف ماركس بواسطة و في نطاق التاريخانية فإنه يدعو إلى إضاءة ذاك التشابه في الشروط التي أنتجت وعياً ماركسياً لها ...فماركس الخارج من معطف الأيديولوجيا الألمانية هو ما نحتاجه في هذا الجزء المتأخر من العالم. و ليس ماركس المعاد  قراءته ليبرالياً أو منهجيا ,أو أنسياً ..إلخ  .
هذا ما ينصح به العروي ..
هل هذا ما نحتاجه فعلاً ؟ ... أسمح لنفسي بإثارة بعض الأسئلة:
1 - أليست هذه القراءة  لماركس هي نفسها : القراءة  اللينينية , و الماوية ... الخ . و بالتالي ألا يطلق انهيار تجارب الانتقال إلى الإشتراكية المتكئة على هذه القراءة  نقاشا ً حول صوابية ما ينصح به العروي لجهة التخوم التي ستفضي إليها عملية عقلنة المجتمع العربي بواسطة هذا النوع من الوعي الماركسي ؟

 2- هل يمكن للوعي بالتأخر أن يفلت تماماً  من إكراهات التأخر :الفكرية والنفسية ؟
3-  أليس التأخر شرط يشرط طابقي البنية ؟وإذا كان الجواب  بنعم للأول ولا للثاني: فما معنى هذه  الكاركاتيرات من الوعي الماركسي التي تمخض عنها  الرفاق :  كيم إيل سونغ  , وبول بوت , و الراحل بعد لأي خالد بكداش ؟
4 - هل نحن بحاجة إلى الحزب العقائدي ( بغض النظر عن محتوى العقيدة ) ؟
لقد وفرت العقائدية للأحزاب الشيوعية العربية : الشروط النظامية للتحجر العقلي, بتعاملها مع  النصوص الماركسية كما يتعامل المتدينون مع نصوصهم المقدسة : اجترارها بخشوع   .
تتوخى  هذه الأسئلة الدخول في حوار حول أية عقلنة سيتمخض عنها المثقف الثوري المزود بماركسية  أيديولوجية كما يقترح العروي .
ألا تستبطن هذه النصيحة مبالغةً في تعظيم دور الإرادة ( المتكئة على الوعي بالتأخر التاريخي ) في صنع سيرورة الخروج من التخلف ؟
و بالعودة إلى المثال الألماني :
 هل كان  المشهد نهضة يقودها المثقفون ؟ ... أم طبقة زادها الوعي بالتأخر حماساً للخروج منه . مع ما رافق هذا الحماس من تشوش و اضطرابات ذهنية على خلفية ارتفاع عتبة الإحساس بالتأخر  ؟
إنها الأيديولوجيا الألمانية بديلاً لليبرالية مشتقة من فلسفة عصر الأنوار . إلا أن الأمور إذا أخذت بخواتيمها فإن السؤال الذي سيطرح نفسه : ما الذي تبقى من الأيديولوجيا الألمانية في ألمانيا المعاصرة ؟
 لقد ذابت مع ذوبان الإحساس بالتأخر التاريخي . لكن السؤال الذي يطرح نفسه :هل يرقى انسداد التحول المتأخر إلى الرأسمالية بقيادة البرجوازية إلى مستوى الحتمية ؟

   
***

محاولة العروي  فهم الماركسية في إطار التاريخانية أثمرت نتيجتين, أسمح لنفسي بإطلاق حكم قيمة عليهما
 الأول إيجابي  : لنجاح العروي في رفع  عملية المثاقفة مع الغرب و إنتاجه المعرفي إلى مستوى أعلى  من الإقتباس: أقصد التملك النقدي للثقافة الغربية . إن الإقتباس و خصوصاً في حقل العلوم الإجتماعية  لايمكنه حل  المشاكل النظرية المترتبة عن  اقتطاع هذه  العلوم من سياقها و اقحامها في سياق مختلف..
في رحلتنا لتملك ماركس على سبيل المثال  علينا أن نحصد حقولاً من المعرفة زرعتها أوروبا الناهضة من رقادها قبل ستة قرون   . فكما يقول العروي : علينا عندما نحل المسألة ألا نكتفي بترديد النظرية التي تصلح لحلها .
و للوصول إلى هذا المستوى من القدرة على هضم و تمثل العلوم علينا أن نذاكر ليس النظريات فقط بل و أيضاً السياقات المعرفية التي صدرت عنها هذه النظريات ...
و لعل النتائج المتواضعة التي أفضت إليها عمليات نقل الفلسفات الغربية : الليبرالية , الماركسية , الوجودية ... إلخ ..في إطار صيغة الإقتباس المهيمنة  , هي التي أعطت  الأهمية الخاصة للجهد الذي بذله العروي خارج هذا السياق (سياق الإقتباس ) .  و علينا بالتالي واجب ا لاعتراف للعروي أن مشواره  المعرفي الذي باشره في ستينات القرن الماضي  يشكل نقطة علام تشير إلى نهاية مرحلة و بدء أخرى في عملية  المثاقفة مع الغرب . فالعروي  إذ يشكل طفرة مبكرة  في سيرورة امتلاك الأنتلجنسيا العربية لوعي حديث , يشير بنفس الوقت إلى قرب  وصول الأنتلجنسيا العربية إلى نقطة التوتر الخلاق التي تفصل بين التراكم الكمي و التبدل الكيفي في مجرى امتلاكها لمشروع عقلنة المجتمع العربي .
أما الثاني السلبي: فهو  لتعيينه ماركس الأيديولوجي كزوادة نظرية لمثقف العالم الثالث الثوري . إن تحفظي هذا ليس أكثر من نقطة انطلاق للدخول في حوار نقدي حول اختيار العروي لماركس الأيديولوجي . وما سيتبقى من هذا المقال سأحاول التقليب في هذا الخيار .
يستند العروي في اختياره لماركس الأيديولوجي إلى ظاهرة تقاسم المثقف في ألمانيا و العالم الثالث( الإحساس بالتاريخ المعاق )

فماركس المؤول : ليبرالياً , و أنسياً , ومنهجياً , و عقدياً .. إلخ (5)   هو محاولة لإعادة فهم ماركس تحت  شروط اجتماعية - اقتصادية متباينة . وعلى مثقف العالم الثالث الذي يعيش شرطاً مشابهاً للذي عاشه ماركس الشاب أن يستلهم من النص الماركسي ما يمس الإشكاليه الألمانية المتجددة  على نحو متكرر في العالم الثالث(التحول المتأخر الى الراسماليه ) .
يقول العروي , إن ماركس الذي حافظ على جوهر الإشكاليات التي عالجتها الأيديولوجيا الألمانية, فإنه في نفس الوقت, انتزعها من سياقها المحلي ليعطيها بعداً كونياً يمكن لمثقف العالم الثالث ( 6) أن يلتقطه على نحوٍ أكثر جدارة .
ما هي الإشكالية الألمانية التي أعطاها ماركس هذا البعد الكوني  ؟
إنها إشكالية الانتقال إلى الرأسمالية في ظل الإحساس بالتاريخ المعاق .
من أين يتغذى هذا الإحساس بالتاريخ المعاق ؟ إنه يتغذى من التقاطه سرعات  مختلفة  يسيل بها الزمن في المجتمعات المتفاوتة التطور   . هي وعكة نفسية لم يسلم  منها إلا المثقف الإنكليزي و المثقف الفرنسي و ذلك لفقدانهما الرائز الذي يمكن بواسطته قياس درجة التأخر.
حول معضلة  التأخر الألماني أدارت الأنتلجنسيا الألمانية ورشة عمل  فكرية . و كما يقول العروي فإن الأيديولوجيا (7) الألمانية لم تضع بصراحة الأسئلة المهمة التالية : 1- ما هو المستوى الأعلى الذي يقاس عليه تأخر ألمانية ؟
 2-هل يمكن تدارك التأخر ؟ 3- ما هي واسطة التدارك ؟ لكنها  أجابت عنها كلها ضمنياً ....
 نظرت الأيديولوجيا الألمانية إلى السياسة اليعقوبية كتجسيد لمستوى التطور الأعلى المنشود , و نظرت إلى الوعي بالتأخر كدليل على إمكانية تداركه , ونظرت إلى المثقف كوسيلة لهذا التدارك .
ماذا فعل ماركس بهذه الإشكالية ؟ جعل منها نتيجة و عنوان التأخر . كانت في الواقع وسيلة خلط و تعقيد لا وسيلة توضيح , لأنها كانت هي ذاتها تعبيراً وفياً لتأخر ألمانية .. لذلك كان المثقف يتخيل أنه يتحمل مسؤولية  الإنسانية جمعاء , و أنه يملك مفتاح كل المشكلات, لأنه يظن في قدرته على طرحها و تحليلها ,أنه يتغلب عليها و يحلها في الواقع . و راح ماركس يبحث عن الواقع و راء و تحت تخيلات المثقفين .
 فاكتشف وراء و تحت السياسة اليعقوبية: التشكيلة الاقتصادية _ الاجتماعية . و وراء و تحت التأخر التاريخي تأخر علاقات الإنتاج بالنسبة لقوى الإنتاج .ووراء و تحت النخبة المثقفة الساخطة و البائسة و المنتقدة : الطبقة العاملة العصرية ...
في هذه العودة إلى ظروف إنتاج ماركس لماركسيته يقع اختيار عبد الله العروي للماركسية الأيديولوجية كوصفه عقلية لمثقف العالم الثالث . . هل هي ثقة مفرطة بالوعي  ؟ أم استجابة على نحو حميم لمثقف يصغي جيداً لهسهسة التحولات في البنية الاجتماعية  - الاقتصادية ؟ أم  حسن تصرف من مثقف سيطر على أدواته المعرفية بواسطة التاريخية  ؟ .......
لعل في العروي تتلاقى المعطيات الثلاثة ... و لكن أليس في انتقاء الماركسية الأيديولوجية  مغامرة ينبغي التحوط لها ببقية التأويلات للماركسية التي يجري رميها بدعوى أنها غير لازمة أو أنها لا تناسب شرطنا التاريخي ؟ ...
و حتى لا يكون اعتراضنا نظرياً , فلنجرب الاحتكام إلى حاجاتنا العربية  كما هي ملء السمع و البصر .
1- إ ن الديمقراطية السياسية التي تحولت عمود ا فقريا للهموم العربية الراهنة قد لا تجد ذريعتها الفلسفية في .  _الماركسية الإيديولوجية بل في الماركسية الإنسية ..                                                           
   2- كما أن انكسار الحلم الاشتراكي الذي راود النخب المثقفة الثورية في منتصف القرن  تتحمل الماركسية  الايديولوجيه شطراً من مسؤولية شحن المخيال الاجتماعي  به . و لعل ماركس الأممية الثانية هو الأكثر قدرة على فتح العيادة الفكرية -  النفسية المجهزة بوسائل علاجية مناسبة .
 3-  كذلك فإن النقطة التي و صلت إليها عمليةالرأسمالي  لبنى الإنتاج العربية وما أفضت إليه لجهة بلورة هوية الحامل الاجتماعي لعملية الخروج من التخلف قد تكون الماركسية الأيديولوجية وراء حجبه عن حقل رؤية العروي
 4- في خلفية انتقاء العروي:  المثقف الثوري لمهمة عقلنة المجتمع العربي يكمن الضباب الذي أثاره ماركس الأيديولوجي  . و بعبارة أخرى إن انتقاء العروي لماركس الأيديولوجي كعدة شغل هو الذي حجب عن العروي رؤية التبدل الذي جرى على البنية الاجتماعية - الاقتصادية للمجتمع العربي الذي قطعت رسملة  بنى الإنتاج في بعض أصقاعه"مصر سورية العراق الجزائر ..إلخ  شوطاً يسمح بإعادة تبديل أحصنة العربة .
 5-  و لعل في تحديد العروي للمثقف الثوري كأداة لعقلنة المجتمع العربي فيه شيء من النكوص نحو الأيديولوجيا الألمانية . أظن العروي قد انزلق إليها وهو يعالج صلة الماركسية بالأيديولوجيا الألمانية .
إنها ملاحظات نسوقها على هامش كتابي العروي الهامين : الأيديولوجيا العربية و المعاصرة , و العرب و الفكر التاريخي ...
ملاحظات أرجو أن  تستدرج حواراً هادئاً حولها  لا تراشقاً بالاتهامات ....

سامي العباس

هوامش :
(1)-الايديولوجيه العربيه المعاصرة-ص 45
(2)   =            =           =      -ص6
(3)العرب والفكر التاريخي-فصل:الماركسية ومثقف العالم الثالث
(4)نفس المصدر
(5)=      =
(6) =    = ص193
(7)=   = ص194                       

من الماركسية –اللينينية إلى ماركسية بلا ضفاف

من الماركسية –اللينينية إلى ماركسية بلا ضفاف

في إطار  النقاش مع سلامه كيله –والذي كانت مقالته في جريدة الأخبار اللبنانية "الأحزاب الشيوعية العربية علينا أن ندفن موتانا " بمثابة افتتاحيته , أرغب في توضيح بعض النقاط التي ُيستنبت  على غموضها سوء الفهم وربما سوء الظن .سيما وأن  هذا الأخير قد يكون أحياناً من حسن الفطن .فليست كل  دوافع النقد الممارس على الماركسية -اللينينية لوجه المعرفة بل فيه ما فيه من النوازع والإنحيازات  التي تعصف بالتجرد  المفترض للمثقف.  و تهبّ من تمايزات  البنية الاقتصادية -الاجتماعية التي زرعت الماركسية فيها فوانيسها لتضوي على الجدل الذي يحكم سيرورتها ..
ليس كل النقد الممارس    – لوجه الله تعالى – كما يقال "أي بريء من اختلاط النوازع المعرفية بنوازع الأمزجة والإنحيازات لأفكار مسبقة أو مصالح وامتيازات تحققها سلطة المعرفة ".لكننا لا يمكن تحت هذه الذريعة تسليم العقل إلى يقينيات يقل مع الوقت تصديقه لها معتمدين على رسوخ وقرها في القلب .. أميل إلى توصيف الماركسية- اللينينية ومشتقاتها في بقية البلدان التي سلكت طريق التحول الرأسمالي في المرحلة الإمبريالية - بما خضعت له سياقات هذا التحول من إكراهات  وآلت إليه أيضاً  من نتائج -  كتجلي روسي  لظاهرة المثقف الألما ني تحول-  في الشروط المتكررة للتحول تحت شرط التأخر- إلى ماركسية أرثوذكسية  تسلط ضوءاً شحيحاً على طريق جانبي يسلكه التحول المتأخر إلى الرأسمالية  , تحل فيه  الدولة المستولى عليها من قبل نخبة مثقفة ذات نزوع رسولي - يلتف حول خطابها الإيديولوجي حامل اجتماعي يجد في هذا الخطاب آماله وأحلامه بالخروج من شرطه الاقتصادي /الاجتماعي-  محل برجوازيتها المحلية الراضخة لشروط التبادل اللامتكافئ في عصر الإمبريالية .والعاجزة بالتالي عن النهوض بالمهام التي نهضت بها مثيلاتها أثناء غياب الشرط الامبريالي .
حتى هذه النقطة أظنني لا أختلف مع سلامة كيله كما وصل إلي من نصه الأخير . وبمعزل عن نفيه أي صلة لفهمي هذا باللينينية, كأن هذه الأخيرة قد سلمته مفتاحها ورمت بقية النسخ في البحر !! "   لكن بدءاً أشير إلى أن اللينينية كما يفهمها سامي لا تمت إلى اللينينية، حيث أنه يعتقد بأن لينين استنتج بـ "إمكانية التحول الاشتراكي" على خلفية انسداد الطريق على التحول الرأسمالي في الأطراف بقيادة البرجوازية (وهو هنا يوافق لينين على وجود هذا الانسداد). لكن لينين لم يطرح التحول الاشتراكي رغم دعوته لاستلام البروليتاريا السلطة في أكتوبر سنة 1917، بل أكد على أن الهدف ليس تحقيق الاشتراكية بل تحقيق المهمات الديمقراطية، لأنه كان يعي عمق التخلف الذي تعيشه روسيا. "
أعيد طرح السؤال : أليست هذه المهام الديمقراطية من صلب عمل البرجوازية ؟.وأن امتناع إمكانية النهوض بها من قبل هذه الأخيرة بفعل الشرط الإمبريالي - كما ساجل لينين حول هذه المسألة ماركسيي عصره -  كان في خلفية دعوته البروليتاريا إلى استلام السلطة ؟
 أنا لا أجادل في فهم لينين لشرط التأخر. ولا في دعوته لانتزاع السلطة السياسية من برجوازيات محلية يتحكم بآفاق مشروعها للتحول الرأسمالي المركز الإمبريالي .أجادل في توصيف هذه العملية التاريخية التي تنهض بها الدولة  بأنها تفتح على  استبدال نمط الإنتاج الرأسمالي بنمط أنتاج أرقى هو نمط الإنتاج الاشتراكي .أي أن ما تم تنفيذه في الإتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية والصين ..الخ تحت راية الفهم اللينيني للماركسية"الماركسية –اللينينية " لم يكن كما تم تصويره انتقال إلى نمط الإنتاج الاشتراكي بل كان محاولة لحل معضلة "التحول المتأخر في ظل الإمبريالية " بإحلال  الدولة محل الطبقة في قيادة عملية التحول الرأسمالي مع ما يلزم لهذا المشروع من تضخيم لدور الإرادة الثورية  يصل في بعض الحالات إلى طلاق عقلي مع الشرط الموضوعي ,وتالياً مع سياقات العقل المعرفية ..لقد تمخض حرق المراحل على خلفية التورم الشديد للإرادة الذي أصاب النخب  المثقفة الثورية المزودة  بالماركسية اللينينية في كامبوديا والقرن الأفريقي وجمهوريات خط الإستواء , عن الكثير من" الفانتازيا الاشتراكية". ولم يكن ذلك سوى تجليات قصوى لمرض المثقف الألما ني ..
 لا أدري ما سيكون موقف سلامة من  "فهمي " النقدي للماركسية - اللينينية كما وضعت في الاستعمال الإيديولوجي  من قبل الأحزاب الشيوعية العربية. وإن كان قوله "  فسواء أسميت التطور بالتطور الرأسمالي من خلال الدولة أو لم تسمه فقد حدث التطور، وهذا يعني بأن التصور الذي طرحه لينين حقق الهدف منه، وهو نقل روسيا إلى الحداثة. فإذن، أين وجه الاعتراض؟ هل انطلاقاً من "التشدد" في الميل الاشتراكي الذي عادة ما يوصم هذه التجارب بأنها تجارب رأسمالية دولة فيرفضها؟ أم من موقع الرأسمالي؟ وبالتالي أين وجه الاعتراض هنا؟ ما يمكن أن نستنتجه هنا هو أن الهدف هو تخطيء لينين ليس أكثر" يوحي بأن ما يهمه فقط : تفحص سريرتي على طريقة تكفيريي هذه الأيام .ليعرف هل ينبع اعتراضي من موقع رأسمالي أم من  تشدد اشتراكي ؟
وعلى خلفية من التدين  اللينيني أكثر تشدداً وإقصاءً ,  كتب رشيد محمود  على الفا يس بوك  مطولة من الشتائم ردا على حواري مع سلامه كيله. أنصح بالإطلاع  عليها للتعرف على المناخ العقلي داخل  غيتو يساري ينضم إلى مصفوفة الغيتوات المذهبية والطائفية التي تنزلق إليها  مجتمعات المنطقة بلا مكابح .."الرفيق" رشيد محمود  لينيني حتى نهاية  أظلافه. وقد أصيب بصدمة مما احتواه مقالي من" هرطقات منشفية"  فكتب بصيغة الجمع تفخيماً لنفسه فيما أظن تحت هذا العنوان :  وكنا إعتقدنا أن المنشفية دفنت إلى الأبد..
على كل حال لا أريد أن أفقد  حسن الظن بحسن تهذيب سلامه كيله, مع ضرورة لفت نظره إلى ضرورة إظهار المزيد من التواضع خانه  في حواره معي  مرتين على الأقل, عندما أشار إلى فشلي في فهم اللينينية أو مؤلفات عبدالله  العروي ..ذلك أن أحكام القيمة هذه ينبغي أن تترك للقراء . وأجد من المناسب في هذا المقام القول أن ماوصل إلي من اسهاماته الكتابية لم يبدد انطباعاً تشكل لدي أن خميرته الثقافية لم تتعدى المعجن السوفييتي .ولا يبدو أنها على صلة بالثراء المعرفي الذي  راكمته   المدارس الماركسية" منهجية ,عقدية ,أنسيه ,ليبرالية " التي استعرض شروط تمايزاتها بكثير من الدقة والفطنة المفكر المغربي  عبد الله العروي في مؤلفه المهم "العرب والفكر التاريخي- فصل:الماركسية ومثقف العالم الثالث.
علينا  كمعنيين بامتلاك  ما وصل إلينا من نواتج القفزات في المعنى   التي تحققت خارج الفضاء الثقافي : العربي-  الإسلامي,  أن نقرن الاطلاع بالنقد,  لأن   التملك المرجو للمعرفة  لايتم بدون النقد كما يقول لاكان  .ومن نافل القول التذكير بأن  النقد لايعني التسفيه ورمي المنقود في سلة المهملات , بل يعني فيما يعنيه فهم الشروط التي أحاطت بعملية ولادة هذا المعنى أو ذاك .هكذا يتم مع الوقت توطين المعرفة ,وينقلنا  من خانة المستهلك للمعاني كما هي الحال إجمالاً , إلى خانة المشارك في إنتاج المعرفة و تحسين دربتنا على  الاستثمار المنتج لها في فك الإستعصاءات وإضاءة المشكلات التي تعترض سيرورة تحسين الشرط البشري لمجتمعاتنا  ..ليس النقد الموجه إلى اللينينية إلا في إطار تملكنا  لها كقراءة مميزة في دفاتر الماركسية .وهي لأهميتها فقط  تستحق النقد.  وإلا لكان مصيرها سلة مهملات الفكر الإشتراكي ..وهي"أي اللينينية " من زاوية تحولها إلى زوادة أيديولوجية للأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية .وفي ظل الأزمة الراهنة-الفكرية والسياسية- التي تعصف  بهذه الأحزاب ,تستحق منا  التقليب النقدي  في صفحاتها,  لإضاءة تخوم قدرتها على الإستجابة للأسئلة المستجدة ,  التي تطرحها سيرورة التحول الرأسمالي التي باشرت الدخول في مرحلة جديدة هي مرحلة التوسع في دائرة الإنتاج تحت إكراهات الشروط الجديدة التي تخلقت في المركز : التلوث وارتفاع كلفة الإنتاج  بفعل المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة على جبهتي الأجور وساعات العمل ..إلخ .تستحق هذه المستجدات التفكير بها لا رميها في خانة اللا مفكر فيه على عادة الأنساق المعرفية التي تتحول إلى أيديولوجيا .

سامي العباس
28-11-2010